الشيخ محمد الصادقي الطهراني

45

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

« فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً » حيث جعلوا عديد الزبر للشرائع وسيلة للتقطع تحريفا لها وتهريفا بها ، وتحزبوا أحزابا كتابية متناحرين بحربة شرعة ضد شرعة وكتاب ضد كتاب « كل حزب » من هؤلاء المتقطعين « بِما لَدَيْهِمْ » كأنه الحق وسواه باطل « فرحون » واللّه لا يرضى من عباده تقطعا في أمره « إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 6 : 159 ) ( وَلايَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » ( 11 : 118 ) خلقهم لرحمة الوحدة ووحدة الرحمة على ضوء توحيد الكلمة على كلمة التوحيد في كل زمن كما يريد اللّه ، فلا اممية في امر اللّه ودينه ولا رايات مختلف الكتابات السماوية ، كلّ ضد الأخرى ، محاربة شرعة إلهية لأخرى ! . ففي كل دور من الأدوار الخمسة الرسالية الأصيلة يجب على العالمين ككل اتباع رسولها ، ثم إذا جاء دور التالي ، فعلى الكل النقلة إلى التالي وللتالي إلى الشرعة القرآنية التي تحلّق منذ بزوغها على الطول التاريخي والعرض الجغرافي وإلى يوم الدين « 1 » . ومن مصائب التحجر في ذلك التقطع ان كل قطاعة متحزبة ضد الأخرى ترى الحق معها كله والباطل مع من سواها كله ، فتمضي فرحا مرحا لا تفكر في شيء ولا يلتفت إلى شيء إلا إلى شيئه المتقطع ، مغلقة على أنفسها جميع المنافذ التي تأتيه منها أية نسمة طليقة ، أو يدخل إليها منها اي شعاع مضيء ، تعيش كلّ في تلك الغمرة الهامرة « فذرهم . . » : « فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ » 54 . لقد غمرتهم وأغرقتهم حيونة الجهالة وجهالة الحيونة ، والغمرة هي إزالة اثر الشيء ، وهي معظم الماء الساتر لمقرها ، وهم أزالوا آثار الانسانية كلها ، واختصوا أنفسهم بآثار الحيوانية كلها بل هم أضل سبيلا « فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ » يغمرهم العذاب في لجة أو يأتيهم الموت قبلا ، أو حتى حين يؤذن لك في حربهم حيث تغمرهم ، أو حين ينجوا منهم

--> ( 1 ) . راجع كتابنا « المقارنات العلمية والكتابية بين الكتب السماوية » وراجع تفسير الآية الثانية في سورة الأنبياء تجد فيها تفصيلا أكثر مما هنا